الشيخ محمد رشيد رضا
158
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
دينه عن هذه الحكمة وتلك القاعدة لعذر كل منهم الآخر ولم يجعلوا الخلاف فيها عصبية مذهبية ، ولعلم المثبتون لها منهم أن اللّه تعالى لو أراد أن تكون عقيدة عامة وركنا من أركان الايمان لبين ذلك في آية صريحة لا تحتمل التأويل ناطقة بأنه يرى بالابصار عيانا بلا كيف ولا إحاطة ولا تمثيل ولقال النبي ( ص ) حين عرّف الايمان في حديث جبريل بعد قوله « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر » : وان المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم عيانا بلا كيف ولا تشبيه - ولامر بتلقين هذا لكل من يدخل في الاسلام ولتواتر عنه وعن أصحابه الجري على ذلك حتى يكون معلوما من الدين بالضرورة ، وإذا لما وقع فيه خلاف ، ولما استنكرت عائشة سؤال مسروق إياها عن رؤية النبي ( ص ) لربه حتى قف شعرها من استعظام ذلك ، ولو كانت تعتقد أن الرؤية تكون في الآخرة لجميع المؤمنين لما استنكرت واستكبرت حصولها للنبي ( ص ) في الدنيا امتيازا له لان روحه فيها أقوى من أرواح سائر المؤمنين في الآخرة فيطيق ما لا يطيقه غيره حتى موسى عليه السّلام ، ولقاست هذا الامتياز على الناس بامتيازه - عليه صلوات اللّه - عليهم بالوحي ورؤية الملائكة وغير الملائكة من عالم الغيب ، على أنه ( ص ) كان ليلة المعراج في ذلك العالم لا في عالم الأرض فالحكمة الظاهرة لعدم النص القطعي في القرآن على المسألة أنها مما تتحير فيه العقول وربما كانت مما يدخل في عموم ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود « ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة » وعموم ما ذكره البخاري في كتاب العلم عن علي كرم اللّه وجهه . « حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب اللّه ورسوله » - ورويا مرفوعين ولكن بسندين ضعيفين - والمراد بالمعرفة في الثاني ما يقابل المنكر وما لا يعقل لا ما يقابل الجهل إذ يكون من تحصيل الحاصل وقد زاد فيه آدم ابن أبي اياس وأبو نعيم في المستخرج : ودعوا ما ينكرون . ذكره الحافظ في الفتح واستشهد له بأثر ابن مسعود المذكور آنفا ، واستدل به على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة وفسر ما لا ينكرون بما لا يشتبه عليهم فهمه . ولا يسلم قوله هذا على إطلاقه فإنه يجب استثناء ما في القرآن منه إذ لا يجوز كتمانه عن أحد ، على أنه كله من قبيل آيات الرؤية ، ليس فيها مثار للفتنة ، مع عقيدة التنزيه ونفي المماثلة ،